سلطت صحيفة "نويه تسوريشر تسايتونج" الصادرة في سويسرا  الضوء على الدلائل حول احتمالية اندلاع حرب جديدة في إقليم تيجراي شمالي إثيوبيا، مع تكدس قوافل الشاحنات في تلال إثيوبيا الخضراء، وتداول مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لما يقال إنها تحركاتٍ للجيش الإثيوبي شمالاً. 

 

وترافق ذلك تقارير عن استدعاء قدامى المحاربين، وانسحاب الجيش من مختلف المحافظات، في ظل المؤشرات المتزايدة التي تُنذر باندلاع حرب وشيكة في إقليم تيجراي، بعد أن اندلعت مناوشات، وهجمات بالطائرات المسيّرة في نهاية يناير.

 

الحرب الأخيرة في تيجراي 

 

وبين عامي 2020 و2022، خاضت الحكومة الإقليمية بقيادة جبهة تحرير شعب تيجراي حربًا ضد إثيوبيا وإريتريا للسيطرة على إقليم تيجراي. وانتهت الحرب عام 2022 باتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في بريتوريا، بعد أن خلفت الحرب ما يصل إلى 600 ألف قتيل، معظمهم من المدنيين من تيجراي، بينما لا يزال مليون من سكان الإقايم نازحين داخليًا.

 

وفيما لم يلتفت الرأي العام العالمي إلى الحرب آنذاك، قال التقرير إن الوضع لا يختلف كثيرًا، لكن هناك فرقًا مهمًا عن عام 2020: ففي دولة السودان المجاورة، تدور حرب أهلية بين الجيش السوداني وميليشيات قوات الدعم السريع. ويهدد صراع تيغراي بالانجرار وراءها

 

ويتهم الجيش السوداني وحليفه المقرب مصر، الإمارات العربية المتحدة، بدعم قوات الدعم السريع. وقد أكدت تحقيق أجرته وكالة "رويترز" للأنباء، وجود معسكر تدريب لقوات الدعم السريع في غرب إثيوبيا، لكن إثيوبيا تنفي الادعاءات.

 

غير أنه وبحسب التقرير، فإن مصر ليست طرفًا سلبيًا، فهي تسعى منذ فترة إلى توثيق علاقاتها مع إريتريا، الخصم اللدود لإثيوبيا. ويشهد الوضع صراعًا مستمرًا بين مصر وإثيوبيا حول استخدام مياه النيل، وقد زاد افتتاح سد النهضة الإثيوبي على الحدود مع السودان من حدة هذا الصراع.


وفي إقليم تيجراي، يتزايد الخوف من اندلاع حرب جديدة، حيث يخشى الكثيرون امتداد الحرب السودانية إلى إثيوبيا. وفي الأسابيع الأخيرة، بُذلت محاولات وساطة من قِبل الاتحاد الأفريقي، والسعودية أيضًا. 

 

جهود دبلوماسية لاحتواء الأزمة

 

والتقى دبلوماسيون سعوديون بممثلين عن إثيوبيا وإريتريا الأسبوع الماضي، إلا أن الجهود الدبلوماسية لنزع فتيل الصراع لم تُكلل بالنجاح حتى الآن. 

 

وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن تركيز الوسطاء الدوليين في أفريقيا حاليًا ليس على إثيوبيا، بل منصب على السودان، إذ إنهم مُثقلون بالعديد من بؤر التوتر، حتى إن المبعوث الأمريكي الخاص السابق لمنطقة القرن الأفريقي، مايك هامر، الذي تفاوض على اتفاق وقف إطلاق النار عام 2022، سُحب من منصبه من قِبل الحكومة الأمريكية، ولم يُعيّن بديل له حتى الآن.

 

ولم يُنفَّذ اتفاق وقف إطلاق النار بين إثيوبيا وجبهة تحرير شعب تيجراي في نقاط رئيسة، ولم يتم تسريح قوات دفاع تيجراي، التابعة لها. 

 

في غضون ذلك، تواصل ميليشيات أمهرة احتلال غرب إقليم تيجراي، مانعةً عودة السكان النازحين. ويُشير تقدم قوات جبهة تحرير شعب تيجراي المسلحة إلى هذه المناطق المتنازع عليها إلى بداية الأزمة الحالية، مع تبادل أولي لإطلاق النار مع القوات الإثيوبية في نهاية يناير.

 

تحالف بين إريتريا وجبهة تحرير شعب تيجراي


وحذر سليمان، وهو محلل من إثيوبيا – يتحدث لأسباب أمنية باسم مستعار- : "قد تكون الحرب أشد ضراوة من سابقتها في تيجراي. الوضع مختلف عما كان عليه في عام 2020. فبينما كانت جبهة تحرير شعب تيجراي معزولة آنذاك، وكان من السهل محاصرة تيجراي من قبل القوات الإريترية والإثيوبية، فإنها هذه المرة تتمتع بحلفاء أقوياء". 

 

وأشار إلى ما وصفه بأنه تحالف غير رسمي بين إريتريا وجبهة تحرير شعب تيجراي، مرجحًا أن تقدم ريتريا الدعم اللوجستي للجبهة في حال نشوب حرب.

 

لكن القيادة السياسية في تيجراي - كما يشير التقرير- منقسمة فيما بينها، فبعد وقف إطلاق النار، تشكل فصيل موالٍ لأديس أبابا، انشق لاحقًا. ويضم هذا الفصيل المنشق الجنرال الشهير تسادكان جبريتينساي، الذي قاد القوات التيجراية في الحرب الأخيرة وحقق العديد من الانتصارات العسكرية. وفي مقطع فيديو نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي، ولم يتسنَّ التحقق من توقيته، يدعو إلى حرب خاطفة ضد جبهة تحرير شعب تيجراي.

 

وبحسب التقرير، فإنه بإمكان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد استغلال حالة الانقسام داخل قيادة تيجراي لإيصال هذه الدوائر الموالية لأديس أبابا في ميكيلي، عاصمة إقليم تيجراي، إلى السلطة. ويوضح سولومون أن سيطرة القوات الإثيوبية على مرتفعات تيجراي ستمنحها أيضًا طريقًا واضحًا إلى إريتريا.

 

افتقار إثيوبيا إلى منفذ بحري

 

ويرى رئيس الوزراء الإثيوبي أن افتقار بلاده إلى منفذ بحري يُعدّ نقطة ضعف رئيسة، ويسعى علنًا إلى تبني سياسة للحصول على هذا المنفذ. 

 

ويقع ميناء عصب، أقصى موانئ إريتريا جنوبًا، على بُعد حوالي 300 كيلومتر من حدود إقليم تيجراي. رسميًا، تستبعد حكومة آبي أحمد أي عمل عسكري ضد إريتريا، وقد طلبت في أكتوبر وساطة دولية بين أديس أبابا وأسمرة لحلّ هذه المسألة.


مع ذلك، يلاحظ جيريت كورتز، الخبير في الشؤون الإثيوبية بالمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، ظهور سردية في إثيوبيا تبرر الحرب. ففي رسالة وجهتها وزارة الخارجية الإثيوبية إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش في أكتوبر من العام الماضي، اتهمت إريتريا بالتدخل في الشؤون الداخلية ودعم الجماعات المسلحة التي تقاتل ضد الحكومة.

 

يخشى سليمان أيضًا أن تقع حكومة آبي أحمد ضحية خطأ استراتيجي، فبسبب انقسام القيادة التيجراية، قد تفترض الحكومة حربًا بسيطة وتقلل من شأن خطر التصعيد. 

 

احتمال امتداد الحرب إلى إريتريا

 

ويرى كورتز حاليًا أن الصراع المحلي في تيجراي هو الأرجح، لكنه لا يستبعد احتمال تصاعد الصراع إلى حرب مع إريتريا: "هناك الكثير من المواد القابلة للاشتعال والكثير من الأوراق الجافة".

 

وتقول عالمة السياسة السودانية خلود خير، التي تتابع عن كثب حرب السودان، إن الخبراء الإثيوبيين يتوقعون بالإجماع تقريباً اندلاع حرب في الأيام أو الأسابيع المقبلة.


ويشارك سكان إقليم تيجراي هذا القلق أيضًا، ففي ميكيلي، عاصمة الإقليم، شهدت المتاجر الغذائية والبنوك إقبالاً كثيفًا في أعقاب الاشتباكات المسلحة الأولى. 

 

أما في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، فلا وجود لمثل هذا الذعر، كما يقول سليمان. فقد كان الناس غير مبالين بالأحداث في الشمال، ومنشغلين بشؤونهم الخاصة. وهذا يختلف عن حرب تيغراي الأخيرة عام 2020، حين ساد حماس كبير في العاصمة الإثيوبية في بدايتها.


https://www.nzz.ch/international/aethiopien-verlegt-truppen-droht-eine-ausweitung-des-sudan-kriegs-ld.1925287